أحمد ياسوف

414

دراسات فنيه في القرآن الكريم

وينتبه الدكتور نور الدين عتر إلى جمال صيغة المفاعلة في تفسير الآية الكريمة : يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا [ البقرة : 9 ] ، إذ يقول : « إنه الخداع والمكر البالغ الذي عبّر عنه بصيغة المفاعلة « يخادعون » ، لإفادة المبالغة في فعلهم ذلك ، وحسبك في ذلك أنهم في خداعهم هذا غفلوا عن رقابة اللّه لهم واطّلاعه على خباياهم » « 1 » . وفي هذا وضوح الصلة بين المعيار اللغوي والدلالة الجمالية ، كما نضيف أن هذه الصيغة تدل على المحاولة ، المخفقة على كثرتها ، خصوصا أنه أردف بقوله تبارك وتعالى : وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ [ البقرة : 9 ] ، فالصيغة تشتمل على محاولة الخداع ، وذلك أن الله مطلع على قلوبهم . وقد ورد الفعل يختصمون أربع مرات ، كما في قوله عز وجل : وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [ آل عمران : 44 ] ووردت صيغة « يخصّمون » مرة واحدة في قوله تعالى ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ [ يس : 49 ] . واللافت للنظر ورود « يخصمون » ، إذ أدغمت فيها التاء بالصاد على غير المعهود في قواعد الإدغام ، لأن الإدغام يكون بين الحروف المتقاربة مثل التاء والدال ، وسبب هذا الإدغام الخاص لطيفة تتصل بالمعنى بسببين كما رأى الدكتور عودة اللّه منيع القيسي . الأول شدة الخصومة بين فريق إيمان وفريق كفر ، بخلاف الخصومة في أهل الملة الواحدة الذين يتسابقون إلى شرف التكفل بمريم ، ففي « يخصمون » معركة بين أنصار الحق وأنصار الباطل الذي يستبعدون حدوث الوعد والعذاب الأخروي مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ يس : 48 ] .

--> ( 1 ) القرآن الكريم والدراسات الأدبية ، ص / 278 .